ماكس فرايهر فون اوپنهايم

84

من البحر المتوسط إلى الخليج

حافظوا على لبس الطربوش ، وحتى التجار الأوروبيون المقيمون في بيروت يرتدون ، عند مجيئهم إلى دمشق ، الطربوش بدلا من القبعات الأوروبية لكي يبدو للسلطات التركية وللمسلمين العرب ، الذين يعتبرون لا بسي القبعات دخلاء مشبوهين ، كرعايا موالين للسلطات أو كمواطنين عاديين . في الصيف ينزل الجميع ، وخاصة في ساعات الصباح وبعد زوال حر الظهيرة ، إلى الأسواق التجارية والمناطق المحيطة بها . الشيخ أو الأفندي يمر متأملا والمسبحة في يده ، والتجار المسيحيون واليهود يقفون في الشارع مصدرين مختلف الحركات والأصوات . والسيدات المسلمات يسيرنّ برفقة عبدات يحملن على رؤوسهن المشتريات أو المناشف التي استعملنها في الحمام . وبين الناس تسير الحمير والبغال والإبل المحملة بالأغراض وأيضا العربات المستأجرة أو الخاصة التي تجرها خيول سيئة وتساق بشكل سيئ أيضا والتي لا يستطيع المشاة الابتعاد عن طريقها في الأزقة الضيقة إلا بصعوبة بالغة . ومن بعيد يظهر موكب لحفلة عرس ، أطفال يقرأون بصوت عال آيات من القرآن يسيرون في صفوف طويلة خلف بعضهم البعض ، أو موكب للدفن حيث يحمل الميت على نعش مكشوف مغطى بقطعة قماش فقط إلى مثواه الأخير . باعة الماء والليموناضة ، سماسرة وتجار متنقلون يعرضون بضائعهم بلغة غنية بالصور وبصيحات تقطع الأنفاس ، وبين كل هذه الأصوات يسمع المرء في كل لحظة عواء أحد الكلاب الشاردة التي لا يقل عددها في دمشق عن عدد السكان . تنام الكلاب ، عندما لا تبحث عن طعام ، في وسط الطريق المزدحم بالناس ولا تتحرك إلا إذا ركلها أحدهم جانبا أو اقتربت منها عربة « 1 » .

--> ( 1 ) الكلب الشارد ظاهرة معروفة لكل زائر في القسطنطينية وهي موجودة في جميع مناطق الشرق وشمال إفريقيا . في مناطق محددة ، داخل الأحياء في الجهات التي لا يكون فيها سوى قليل من واجهات المنازل ، تعيش هذه الكلاب الشاردة في قطعان يتراوح عدد أفراد القطيع الواحد منها بين 10 و 50 كلبا وتبقى ليل نهار في العراء معرضة لمختلف العوامل المناخية . يتولى قيادة القطيع الكلاب القوية بشكل خاص ويجدها المرء عادة على حدود قطاعها التي تحرس بمنتهى العناية والحماس . ولا يسمح لأي كلب بالانتقال من قطاع إلى آخر . وإذا ما اقترب كلب غريب من الحدود يقفز فجأة قادة القطيع المقيم هناك ويتخذون وضعية قتالية . وتكفي زمجرة -